يرى رائد الأعمال جيسون لمكين (Jason Lemkin) أن نمو أي نشاط تجاري يمر بأربع مراحل أساسية:
-
الشريحة الأولى من العملاء: تبدأ مع إطلاق المنتج، حيث يجربه عدد محدود من المستخدمين، وتركّز الشركة في هذه المرحلة على اختبار مدى توافق المنتج مع السوق.
-
مرحلة أقل من مليون دولار: تكون الموارد المالية محدودة، ولا يمكن التوسع أو الاستثمار بكثافة، رغم وجود إيرادات أولية.
-
مرحلة تجاوز مليوني دولار: تبدأ عجلة النمو بالدوران، ويصبح من الممكن زيادة الإنفاق وتوسيع النشاط.
-
مرحلة أكثر من 10 ملايين دولار: في هذه المرحلة تكون الشركة قد رسخت مكانتها بقوة داخل السوق.
قد يبدو هذا المسار بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع ليس كذلك بالنسبة لمعظم رواد الأعمال؛ فطبيعة العملاء الذين تتعامل معهم أو تبيع لهم تختلف جذريًا من مرحلة إلى أخرى. والحقيقة أن الشريحة الأولى من العملاء وحدها لا تكفي للوصول إلى إيرادات سنوية تتجاوز 10 ملايين دولار.
من هنا تنبع أهمية هذا المقال، الذي يوضح كيفية العثور على العملاء المناسبين والكافين للانتقال بالأعمال التجارية إلى مرحلة النمو الكبير.
كيف يتقبل الناس الابتكارات الجديدة وفق منحنى روجرز
عند طرح أي منتج جديد في السوق، يكون الإقبال عليه محدودًا في البداية، حيث يبدأ عدد قليل من الأشخاص بتجربته، ثم تتوسع دائرة المستخدمين تدريجيًا إلى أن ينتشر المنتج ويعتمد من قبل الأغلبية.
وقد تناول الباحث إيفرت روجرز (Everett Rogers) هذا السلوك في كتابه الشهير «انتشار الابتكارات – Diffusion of Innovations»، حيث صنّف الأفراد إلى خمس فئات وفق سرعة تبنيهم للأفكار والابتكارات الجديدة:
-
المبتكرون (Innovators): أول من يتبنى الابتكار، يتميزون بالجرأة والاستعداد لتحمل المخاطر، وغالبًا ما يكونون من فئات عمرية أصغر، ويتمتعون بقدرة مالية ومهارات اجتماعية عالية.
-
المتبنون الأوائل (Early Adopters): الفئة الثانية في سرعة التبني، وهم قادة رأي يتمتعون بالحكمة والتأثير.
-
الأغلبية المبكرة (Early Majority): يتبنون الابتكار بعد فترة، ويميلون إلى التروي والحذر، ويتمتعون بمكانة اجتماعية أعلى من المتوسط دون شغل مناصب قيادية بارزة.
-
الأغلبية المتأخرة (Late Majority): ينتظر أفرادها حتى يثبت الآخرون نجاح الابتكار قبل تجربته، وغالبًا ما تكون مكانتهم الاجتماعية دون المتوسط.
-
المتخلفون (Laggards): آخر من يتبنى الابتكار، يعارضون التغيير ويميلون إلى التمسك بالتقاليد، وغالبًا ما يكونون أقل قدرة مالية وتأثيرًا اجتماعيًا.
عبور الهوة: تطوير نظرية روجرز
وسع جيفري مور (Geoffrey Moore) أفكار روجرز في كتابه «عبور الهوة – Crossing the Chasm» الصادر عام 1991، حيث ركز على كيفية تسويق الابتكارات والتقنيات الجديدة وزيادة عدد المتبنين لها، موضحًا الفجوة الخطيرة بين المتبنين الأوائل والأغلبية المبكرة، والتي أسماها “الهوة”.
أهمية عبور الهوة في تحليل شرائح السوق
تقوم فكرة “عبور الهوة” على أن العملاء ينتمون إلى إحدى الفئات الخمس السابقة، وأن أسلوب البيع والتسويق يجب أن يتغير تبعًا للمرحلة التي وصل إليها السوق في تقبل الابتكار.
ويؤكد مور أن العثور على الشريحة الأولى المناسبة من العملاء يمثل حجر الأساس لبناء موطئ قدم قوي في السوق، وهو أمر بالغ الأهمية خصوصًا للشركات الناشئة، سواء في حالتين أساسيتين:
1. رواد أعمال يملكون منتجًا ويبحثون عن الشريحة المناسبة
في هذه الحالة يكون الحل جاهزًا، لكن التحدي يكمن في تحديد المشكلة أو الشريحة التي تعاني منها بأكبر قدر. ورغم صعوبة المهمة، فإن المنتج القيم سيجد في النهاية سوقه المناسب.
2. رواد أعمال يملكون قاعدة عملاء ويسعون إلى التوسع
وفي هذا السياق، يشارك الكاتب إتيان جاربوجلي (Etienne Garbugli) تجربته العملية.
تحليل فئات السوق في شركة Psykler
عندما بدأ جاربوجلي العمل في شركة Psykler، كان لدى الشركة عملاء في قطاعات مثل الأدوية والطيران والاستشارات، لكن مستوى استخدام الأداة كان منخفضًا، ما أشار إلى ضعف توافق المنتج مع السوق.
وبالتعاون مع المؤسس، حددا أربعة قطاعات رأيا أن الأداة يمكن أن تقدم قيمة حقيقية لها، وهي:
الأدوية، وبرمجيات المؤسسات، والاستشارات، والتكامل.
لاحقًا، أُجريت مقابلات سريعة مع العملاء، واتضح أن الصناعات بطيئة التغيير مثل الرعاية الصحية، والاتصالات، والتعليم، والدفاع، يصعب جدًا مواءمتها مع أداة Psykler.
كما تبين أن الشركات التي تقدم خدمات تقنية متقدمة تضطر للبيع بأسعار مرتفعة للإدارات العليا، مما يجعل كل اجتماع بيع عالي المخاطر، إذ إن الفشل قد يؤدي إلى خسائر كبيرة.
وبناءً على هذه المعطيات، توصلا إلى أن Psykler في وضعه الحالي يناسب بشكل أفضل الشركات الاستشارية المتخصصة في المجالات الأمنية. ومع تحسين العرض وفهم القطاع بعمق، بدأ المنتج بجذب المستخدمين الأوائل، ثم تطور تدريجيًا ليلبي احتياجات السوق الجديد.
كيفية إجراء تحليل شرائح السوق لمنتجك
لإنجاح عملية تحليل فئات السوق، لا بد من الخروج من إطار المكتب والتواصل المباشر مع العملاء المحتملين والحاليين. يمكن البدء بتحديد أربعة أو خمسة قطاعات يُحتمل أن يقدم لها المنتج قيمة حقيقية، ثم إجراء من 3 إلى 5 مقابلات مع عملاء في كل قطاع.
يجب التركيز على فهم التحديات التي يواجهها هؤلاء العملاء، وتحديد الشرائح التي يمكن مساعدتها فعليًا، مع الاستمرار في المقابلات والتحليل إلى أن تتضح أفضل شريحة سوقية يمكن للمنتج أن ينمو من خلالها.